السيد هاشم البحراني

80

البرهان في تفسير القرآن

الحرم وقد غزتهم قريش في عقر ديارهم فقتلوهم ، أنه لا يرجع محمد وأصحابه إلى المدينة أبدا . فلما نزل رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) الحديبية خرجت قريش يحلفون باللات والعزى لا يدعون محمدا ( صلى الله عليه وآله ) يدخل مكة وفيهم عين تطرف ، فبعث إليهم رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : أني لم آت لحرب ، ولكن جئت لأقضي نسكي ، وأنحر بدني وأخلي بينكم وبين لحماتها . فبعثوا إليه عروة بن مسعود الثقفي وكان عاقلا أريبا « 1 » ، وهو الذي أنزل الله فيه : وقالُوا لَوْ لا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ ) * « 2 » ، فلما أقبل على رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) عظم ذلك ، وقال : يا محمد ، تركت القوم « 3 » ، وقد ضربوا الأبنية ، وأخرجوا العوذ المطافيل ، يحلفون باللات والعزى لا يدعوك تدخل مكة ، فإن مكة حرمهم ، وفيهم عين تطرف ، أفتريد أن تبيد أهلك ، وقومك ، يا محمد ؟ فقال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : ما جئت لحرب ، وإنما جئت لأقضي نسكي ، وانحر بدني ، وأخلي بينكم وبين لحماتها . فقال عروة : بالله ما رأيت كاليوم أحدا صد كما صددت . فرجع إلى قريش فأخبرهم ، فقالت قريش : والله لئن دخل محمد مكة وتسامعت به العرب لنذلن ولتجترين علينا العرب . فبعثوا حفص بن الأحنف وسهيل بن عمرو ، فلما نظر إليهما رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) قال : ويح قريش ، قد نهكتهم الحرب ، ألا خلوا بيني وبين العرب ، فإن أك صادقا فإنما أجر الملك إليهم مع النبوة ، وإن أك كاذبا كفيتهم ذؤبان العرب ، لا يسألني اليوم امرؤ من قريش خطة ليس لله فيها سخط إلا أجبتهم إليه . قال : فوافوا رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) فقالوا : يا محمد ، ألا ترجع عنا عامك هذا ، إلى أن ننظر إلى ماذا يصير أمرك وأمر العرب على أن ترجع من عامك هذا ؟ فإن العرب قد تسامعت بمسيرك ، فإن دخلت بلادنا وحرمنا استذلتنا العرب واجترأت علينا ، ونخلي لك البيت في العام القابل في هذا الشهر ثلاثة أيام حتى تقضي نسكك وتنصرف عنا . فأجابهم رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) إلى ذلك ، وقالوا له : وترد إلينا كل من جاءك من رجالنا ، ونرد إليك كل من جائنا من رجالك فقال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) من جائكم من رجالنا فلا حاجة لنا فيه ، ولكن على أن المسلمين بمكة لا يؤذون في إظهارهم الإسلام ، ولا يكرهون ولا ينكر عليهم شيء يفعلونه من شرائع الإسلام ، فقبلوا ذلك ، فلما أجابهم رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) إلى الصلح أنكر عامة أصحابه ، وأشد ما كان إنكارا عمر « 4 » . فقال : يا رسول الله ، ألسنا على الحق ، وعدونا على الباطل ؟ فقال : نعم . قال : فنعطي الدنية في ديننا ؟ فقال : إن الله [ قد ] وعدني ولن يخلفني . فقال : لو أن معي أربعين رجلا لخالفته . ورجع سهيل بن عمرو وحفص بن الأحنف إلى قريش فأخبراهم بالصلح ، فقال عمر : يا رسول الله ، ألم تقل لنا أن ندخل المسجد الحرام ونحلق مع المحلقين ؟ فقال : أمن عامنا هذا وعدتك ، وقلت لك أن الله عز وجل [ قد ]

--> ( 1 ) في المصدر : لبيبا . ( 2 ) الزخرف 43 : 31 . ( 3 ) في المصدر : قومك . ( 4 ) في المصدر : فلان .